سوق الشقق في الرياض يدخل مرحلة جديدة بعد قرارات التوازن العقاري.. الأسعار تتراجع 17%

سوق الشقق في الرياض يدخل مرحلة جديدة بعد قرارات التوازن العقاري.. الأسعار تتراجع 17%

شهد سوق الشقق في مدينة الرياض تحولات ملحوظة خلال الفترة الممتدة من الربع الأول من عام 2023 وحتى الربع الثاني من عام 2026، بالتزامن مع القرارات التنظيمية الهادفة إلى تحقيق التوازن في السوق العقارية، والتي انعكست على حركة الإيجارات والمبيعات والأسعار بصورة متفاوتة بين الأحياء والمنتجات العقارية.
وبحسب تقرير صادر عن شركة «جياد المالية» بعنوان «تحولات سوق الشقق في الرياض بعد قرارات التوازن العقاري»، فقد تراجعت مبيعات الشقق بوتيرة أكثر حدة من انخفاض أسعارها. وانخفض عدد الشقق المباعة بنسبة 88%، من ذروة بلغت 1,692 شقة في الربع الأول من عام 2024 إلى 195 شقة في الربع الثاني من عام 2026.
في المقابل، تراجع متوسط سعر بيع الشقة بنسبة 17% فقط، من أعلى مستوى بلغ 744 ألف ريال في الربع الثاني من عام 2025 إلى 616 ألف ريال في الربع الثاني من عام 2026.
الإيجارات.. ارتفاع قوي يسبق التثبيت ثم مرحلة تصحيح
سلكت الإيجارات مسارًا مختلفًا، إذ ارتفع متوسط الإيجار السنوي للشقق بنسبة 76% بين الربع الأول من عام 2023 والربع الثالث من عام 2025، وهو الربع الذي صدر خلاله قرار تثبيت الإيجارات، قبل أن يتراجع المتوسط بنسبة 14.7% حتى الربع الثاني من عام 2026.
وعلى مستوى مناطق الرياض، سجل وسط المدينة أكبر ارتفاع في متوسط الإيجارات، حيث صعد من 25 ألف ريال سنويًا في الربع الأول من عام 2023 إلى 45.8 ألف ريال في الربع الرابع من عام 2025، بزيادة بلغت 121%.
أما شمال الرياض، فارتفع متوسط الإيجار فيه بنسبة 57% حتى الربع الثالث من عام 2025، قبل أن ينخفض 14.5% في الربع الثاني من عام 2026. كما ارتفعت إيجارات شرق الرياض بنسبة 73% قبل أن تتراجع 13.6%.
وفي غرب الرياض، ارتفع متوسط الإيجار بنسبة 71% حتى الربع الثالث من عام 2025، ثم انخفض 16.1% في الربع الثاني من عام 2026، بينما سجل جنوب الرياض نموًا قدره 58% قبل أن يتراجع متوسط الإيجارات فيه بنسبة 14%.
ويشير التقرير إلى أن تباطؤ نمو الإيجارات بدأ قبل قرار التثبيت بنحو عام، إذ انخفض معدل النمو السنوي المركب من 31.3% إلى 17.2%، قبل أن يتحول في المرحلة الأخيرة إلى معدل سلبي بلغ 19.1%. وبالنسبة إلى كامل الفترة محل الدراسة، بلغ معدل النمو السنوي المركب 13.4%.
24 حيًا شهدت انخفاضًا في الإيجارات خلال الربع الأول 2026
أظهرت بيانات الأحياء اتساع نطاق التصحيح في سوق الإيجارات عقب قرارات التوازن العقاري.
ففي الربع الرابع من عام 2025، وهو أول ربع كامل بعد صدور قرار تثبيت الإيجارات، سجل 20 حيًا من أصل 25 حيًا انخفاضًا في متوسط الإيجارات.
وفي الربع الأول من عام 2026، اتسع نطاق التراجع ليشمل 24 حيًا من أصل 25 حيًا، وهو أكبر انتشار للانخفاض خلال الفترة التي يغطيها التقرير.
أما في الربع الثاني من عام 2026، فقد تراجعت الإيجارات في 13 حيًا، مقابل ارتفاعها في 12 حيًا.
وعند مقارنة مستويات الإيجارات في الربع الثالث من عام 2025 بالربع الثاني من عام 2026، سجلت معظم أحياء الرياض انخفاضات تراوحت بين 0.4% و24.1%.
وتصدر حي المرسلات قائمة الأحياء من حيث التراجع، بانخفاض بلغ 24.1%، أي ما يعادل 11,875 ريالًا سنويًا، بعدما هبط متوسط الإيجار من 49,316 ريالًا إلى 37,441 ريالًا.
وجاءت الدار البيضاء في المرتبة التالية بانخفاض 21.6%، ثم ظهرة لبن 21%، والعليا 20.5%، والنرجس 19%، والعارض 18.2%، والوزارات 18%، والخليج 17.1%.
وفي المقابل، كان حي الورود الوحيد الذي سجل ارتفاعًا في متوسط الإيجار منذ ربع صدور قرار التثبيت، بزيادة محدودة بلغت 0.3%، بينما كان حي عرقة الأقرب إلى الاستقرار، بانخفاض لم يتجاوز 0.4%.
المرسلات.. أكبر ارتفاع قبل القرار وأكبر تراجع بعده
يبرز حي المرسلات كأحد أكثر الأحياء تأثرًا بتغيرات السوق؛ فقد ارتفع متوسط الإيجار السنوي فيه من 23,071 ريالًا إلى 49,316 ريالًا قبل قرار تثبيت الإيجارات، بزيادة بلغت 114%.
وبعد القرار، سجل الحي أكبر انخفاض بين الأحياء، إذ تراجع متوسط الإيجار إلى 37,441 ريالًا، بانخفاض نسبته 24.1%.
وفي السليمانية، ارتفع متوسط الإيجار من 24,923 ريالًا إلى 46,047 ريالًا، بنمو قدره 85%، قبل أن يتراجع إلى 41,012 ريالًا، بانخفاض 10.9%.
أما عرقة، فارتفع متوسط الإيجار فيها من 27,472 ريالًا إلى 38,125 ريالًا، بزيادة 39%، قبل أن يستقر نسبيًا بعد قرار التثبيت، متراجعًا بنسبة 0.4% فقط إلى 37,983 ريالًا.
وفي العارض، ارتفع متوسط الإيجار من 25,952 ريالًا إلى 45,544 ريالًا، بزيادة 75%، ثم تراجع إلى 37,234 ريالًا في الربع الثاني من عام 2026، بانخفاض 18.2%.
تفاوت واضح في إيجارات أحياء الرياض
تكشف البيانات عن فجوة كبيرة بين مستويات الإيجارات في أحياء الرياض. وخلال الأرباع الأربعة الممتدة من الربع الثالث من عام 2025 إلى الربع الثاني من عام 2026، تراوحت متوسطات الإيجار السنوي للشقق بين 19 ألفًا و52 ألف ريال.
وبلغ المتوسط المرجح للإيجارات في مختلف الأحياء نحو 34 ألف ريال سنويًا.
وسجل حي الملقا أعلى متوسط إيجار عند 51.6 ألف ريال، يليه العليا بـ48.6 ألف ريال، ثم النرجس بـ45.6 ألف ريال، والسليمانية بـ45.2 ألف ريال، والياسمين بـ44.8 ألف ريال.
وفي الطرف المقابل، بلغ متوسط الإيجار في الشفا 19.3 ألف ريال، وهو المستوى نفسه تقريبًا في بدر، بينما بلغ 20.6 ألف ريال في طويق، و21.2 ألف ريال في الدار البيضاء، و22.1 ألف ريال في العزيزية، و22.8 ألف ريال في نمار.
وبذلك يصل متوسط إيجار الشقة في الملقا إلى نحو 2.7 ضعف مستواه في الشفا.
مبيعات الشقق تهبط 88%.. والأسعار تتراجع بوتيرة أبطأ
في سوق التملك، تظهر الفجوة بصورة أوضح بين حجم الطلب والأسعار.
فبعد وصول مبيعات الشقق إلى 1,692 صفقة في الربع الأول من عام 2024، بدأت في التراجع تدريجيًا حتى بلغت 195 شقة فقط في الربع الثاني من عام 2026، بانخفاض نسبته 88%.
كما تراجع إجمالي المبيعات خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 526 شقة، مقارنة بـ3,304 شقق خلال النصف الأول من عام 2024، بانخفاض بلغ 84%.
ورغم هذا التراجع الحاد في عدد الصفقات، لم تنخفض الأسعار بالمعدل نفسه. فقد بدأ متوسط سعر بيع الشقة عند 633 ألف ريال في الربع الأول من عام 2023، ثم ارتفع إلى ذروة بلغت 744 ألف ريال في الربع الثاني من عام 2025، قبل أن يتراجع إلى 616 ألف ريال في الربع الثاني من عام 2026.
النرجس والملقا.. تراجع حاد في المبيعات رغم اختلاف مستويات الأسعار
عند مقارنة أداء المبيعات في عام 2024 بالأرباع الأربعة الأخيرة الممتدة من الربع الثالث من عام 2025 إلى الربع الثاني من عام 2026، سجلت غالبية الأحياء انخفاضات كبيرة في أعداد الشقق المباعة.
وسجل الملقا أكبر تراجع، إذ انخفضت المبيعات من 756 شقة في عام 2024 إلى 69 شقة فقط خلال الأرباع الأربعة الأخيرة، بانخفاض 91%.
وفي النرجس، تراجعت المبيعات من 1,256 شقة إلى 313 شقة، بانخفاض 75%، بينما انخفضت في العارض بنسبة 85%، من 487 إلى 74 شقة.
كما تراجعت المبيعات في قرطبة بنسبة 90%، من 403 إلى 41 شقة، وفي طويق 78%، والياسمين 68%، والدار البيضاء 67%، والعزيزية 72%، والمهدية 71%، ونمار 62%، والسليمانية 88%، والصحافة 55%، واليرموك 66%.
وكان حي الشفا الاستثناء الوحيد ضمن البيانات المعروضة، حيث ارتفعت مبيعات الشقق فيه بنسبة 10%، من 91 شقة في عام 2024 إلى 100 شقة خلال الأرباع الأربعة الأخيرة.
الأسعار تحافظ على تماسكها في بعض الأحياء رغم ضعف الطلب
على الرغم من التراجع الكبير في حجم المبيعات، واصلت أسعار الشقق ارتفاعها في عدد من أحياء الرياض.
وسجلت الصحافة أكبر زيادة في متوسط سعر البيع، بارتفاع نسبته 28%، من 1.069 مليون ريال إلى 1.364 مليون ريال، رغم انخفاض المبيعات 55%.
وفي بدر، ارتفع متوسط السعر بنسبة 25%، من 289 ألف ريال إلى 362 ألف ريال، بالتزامن مع تراجع المبيعات بنسبة 35%.
كما ارتفع متوسط سعر الشقة في النرجس بنسبة 17%، من 741 ألف ريال إلى 869 ألف ريال، رغم انخفاض المبيعات بنسبة 75%.
وسجلت أسعار الشقق أيضًا ارتفاعات في الدار البيضاء بنسبة 15%، والمهدية 15%، وطويق 10%، والعزيزية 3%.
في المقابل، تراجع متوسط السعر في الملقا بنسبة 15%، من 920 ألف ريال إلى 780 ألف ريال، بالتزامن مع انخفاض المبيعات بنسبة 91%.
وخلال الأرباع الأربعة الأخيرة، سجلت العليا أعلى متوسط سعر بيع عند 1.372 مليون ريال، تلتها الصحافة عند 1.364 مليون ريال.
وفي الطرف الآخر، بلغ متوسط سعر الشقة في الشفا 306 آلاف ريال، ما يعني أن متوسط سعر الشقة في العليا يعادل نحو 4.5 أضعاف نظيره في الشفا.
ارتفاع الإيجارات يعزز العائد الاستثماري
أدى اختلاف اتجاهات الإيجارات وأسعار البيع إلى إعادة تشكيل مستويات العائد الإيجاري في عدد كبير من أحياء الرياض.
فمنذ الربع الأول من عام 2023 وحتى الربع الثاني من عام 2026، ارتفع مؤشر الإيجارات بنسبة 50%، في حين تراجع مؤشر أسعار البيع بنسبة 3%، لتصل الفجوة التراكمية بين المؤشرين إلى 53 نقطة مئوية.
وانعكس ذلك على ارتفاع العائد الإيجاري في غالبية الأحياء.
وتصدر قرطبة قائمة الأحياء من حيث تحسن العائد الإيجاري، إذ ارتفع من 5% في عام 2024 إلى 7.1% خلال الأرباع الأربعة الأخيرة، بزيادة بلغت 2.1 نقطة مئوية.
وجاءت الرمال بزيادة قدرها 1.3 نقطة مئوية، والملقا 1.1 نقطة، والشفا نقطة واحدة، والعليا 0.9 نقطة، والعارض 0.8 نقطة، والعزيزية 0.7 نقطة.
في المقابل، تراجع العائد الإيجاري في الدار البيضاء من 6.9% إلى 6.4%، وفي النرجس من 5.8% إلى 5.2%، وفي الصحافة من 3.8% إلى 3.2%.
وسجل بدر أكبر انخفاض في العائد، من 6.3% إلى 5.3%.
قرارات التوازن العقاري تعيد تشكيل السوق
يضع تقرير «جياد المالية» هذه التحولات ضمن سياق مجموعة من قرارات التوازن العقاري التي شهدتها الرياض خلال عام 2025.
ففي 29 مارس 2025، رُفع الإيقاف عن مساحة تبلغ 81.48 كيلومترًا مربعًا من الأراضي شمال الرياض، مع تخصيص 40 ألف قطعة أرض سكنية سنويًا لمدة خمس سنوات، وبسعر لا يتجاوز 1,500 ريال للمتر المربع.
وفي 29 أبريل 2025، أُقرت شرائح رسوم الأراضي البيضاء، بنسب تراوحت بين 2.5% و10% وفقًا للشريحة.
ثم في 25 سبتمبر 2025، صدر قرار تثبيت إيجارات الوحدات السكنية والتجارية في الرياض حتى سبتمبر 2030، مع اعتماد قيمة آخر عقد مسجل في منصة «إيجار» مرجعًا لتحديد القيمة.
وفي 9 أكتوبر 2025، رُفع الإيقاف عن نحو 33.24 كيلومترًا مربعًا من الأراضي غرب الرياض، على امتداد وادي حنيفة، وفق الكود العمراني الخاص بالوادي.
عينة واسعة تعكس اتجاهات السوق
اعتمد تقرير «جياد المالية» على بيانات 25 حيًا في مدينة الرياض، تغطي الفترة من الربع الأول من عام 2023 حتى الربع الثاني من عام 2026، بالاستناد إلى بيانات السجل العقاري ووزارة العدل، مع توحيد القياسات على أساس شقة بمساحة 100 متر مربع.
وبلغ إجمالي البيانات المستخدمة 652,798 شقة مؤجرة و15,446 شقة مباعة.
ويعتمد تحليل الإيجارات على الوسيط الحسابي للإيجار «Median» داخل كل حي في كل ربع، بينما يستند تحليل المبيعات إلى متوسط سعر الشقة «Average» المحسوب على إجمالي الصفقات المسجلة.
وعند تجميع نتائج الأحياء أو الأرباع، استخدم التقرير المتوسط المرجح.
ويشير التقرير إلى أن حركة متوسط أسعار بيع الشقق في العينة تتوافق بدرجة مرتفعة مع الاتجاه العام لمتوسط أسعار الشقق في مدينة الرياض، رغم اختلاف نطاق التغطية ومنهجية الحساب.
وبلغ معامل الارتباط بين المؤشرين 0.912، فيما وصل معامل التحديد R² إلى نحو 0.831، ما يعني أن نحو 83% من التغير في الاتجاه العام لمؤشر مدينة الرياض يمكن تفسيره من خلال العينة والمنهجية المستخدمة.
الخلاصة
تكشف بيانات سوق الشقق في الرياض عن انتقال واضح من مرحلة ارتفاعات قوية في الإيجارات والأسعار إلى مرحلة تصحيح أكثر وضوحًا في الإيجارات وتراجع حاد في حجم الصفقات.
وبينما انخفضت مبيعات الشقق بنسبة 88% من ذروتها، لم تتراجع الأسعار إلا بنسبة 17%، ما يشير إلى أن انخفاض الطلب لم يتحول بعد إلى انخفاض مماثل في قيم الأصول.
في المقابل، أدى ارتفاع الإيجارات خلال السنوات السابقة، إلى جانب تراجع أسعار البيع بدرجة أقل، إلى تحسين العائد الإيجاري في عدد من الأحياء، ما قد يعيد ترتيب جاذبية الاستثمار بين مناطق الرياض، خصوصًا مع استمرار تأثير قرارات زيادة المعروض وتثبيت الإيجارات ورسوم الأراضي البيضاء.
وبذلك تبدو السوق أمام مرحلة جديدة تتسم بتباين أكبر بين الأحياء والمنتجات، مع انتقال مركز الثقل تدريجيًا من ارتفاع الأسعار والإيجارات إلى التوازن بين المعروض والطلب والعائد الاستثماري.

مدونات اخرى