الأراضي البيضاء.. للرسوم أم الإمهال أم الاستثمار؟
مقترح لاستثمار الأراضي البيضاء غير المطورة كمواقف سيارات أو مشروعات مجدية لتخفيف الضغط الحضري، بدلًا من الاكتفاء بفرض الرسوم
كتبت سابقًا مقالًا عن مواقف السيارات في العدد رقم (342)، طرحت فيه مقترح إدراج جميع مواقف السيارات ضمن منظومة متكاملة لإدارة المواقف في المدن، استنادًا إلى عدد من الاعتبارات، من أبرزها الحد من احتكار المواقف، والحد من التشوه البصري الناتج عن حجز المواقف بطرق غير نظامية، إلى جانب تنظيم استخدامها بما يتناسب مع احتياجات المدينة وسكانها.
ومن هنا يبرز تساؤل مهم: إذا كانت هناك، من جهة، زيادة في الطلب على مواقف السيارات في بعض المواقع، ومن جهة أخرى، أراضٍ بيضاء غير مطورة داخل المدن، تفرض عليها رسوم وفق آلية تهدف إلى تحفيز ملاكها على تطويرها وزيادة المعروض العقاري ضمن سياسة التوازن العقاري؛ فلماذا لا يتم التفكير في توظيف هذه الأراضي كأحد الحلول العملية لمعالجة نقص مواقف السيارات؟
يمكن، وفق دراسة شاملة للأراضي البيضاء داخل المدن والأحياء، تحديد المواقع التي تشهد ارتفاعًا في الطلب على مواقف السيارات، ولا سيما الأراضي الواقعة بالقرب من الأنشطة التجارية والخدمية أو الاستعمالات التي تولد طلبًا مرتفعًا على المواقف. وفي هذه المواقع، يمكن دراسة استثمار الأراضي البيضاء غير المطورة، وفق آلية محددة، من خلال الأمانات والأذرع الاستثمارية التابعة لها، أو عبر الشركات المشغلة لمنظومة إدارة المواقف.
وبدلًا من الاقتصار على فرض الرسوم على ملاك هذه الأراضي في حال عدم تطويرها، يمكن – وفق نتائج الدراسات والجدوى الاقتصادية – توجيهها مؤقتًا أو مرحليًا نحو استخدامات تلبي احتياجات المدينة، مثل إنشاء مواقف سيارات سطحية، أو تطوير مبانٍ متعددة الأدوار مخصصة للمواقف، وذلك من خلال نماذج تعاقدية واستثمارية مناسبة بين مالك الأرض والجهة المستثمرة أو المشغلة.
وبذلك يمكن تحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه؛ فمن ناحية، نسهم في معالجة مشكلة نقص مواقف السيارات في المواقع التي تعاني من ارتفاع الطلب، ومن ناحية أخرى، نحول الأراضي البيضاء من أصول غير مستغلة إلى أصول منتجة وذات قيمة اقتصادية، بدلًا من الاقتصار على فرض الرسوم كوسيلة لتحفيز تطويرها.
ولا يقتصر الأمر بالضرورة على مواقف السيارات، إذ يمكن – بحسب طبيعة الموقع واحتياجاته ونتائج دراسات الجدوى – دراسة إمكانية استثمار بعض هذه الأراضي في أنشطة وخدمات أخرى تسهم في تلبية احتياجات السكان وتحسين كفاءة استخدام الأراضي داخل المدن.
إن الإدارة الفعالة للمدينة تتطلب النظر إلى مختلف الممكنات والفرص المتاحة، وتحليل نقاط القوة والاحتياجات والتحديات، ثم البحث عن أفضل السبل لتوظيف الموارد والأصول المتاحة بما يحقق أكبر أثر ممكن.
فالأرض البيضاء داخل النطاق العمراني ليست بالضرورة مجرد أرض تنتظر التطوير أو تخضع للرسوم؛ بل يمكن، في بعض المواقع والظروف، أن تكون فرصة استثمارية وحلًا حضريًا في الوقت ذاته.
ومن هنا، فإن الموازنة بين الرسوم، والإمهال، والاستثمار قد تفتح مجالًا أوسع للتعامل مع الأراضي البيضاء بمنظور أكثر مرونة وكفاءة، يراعي احتياجات كل مدينة وكل حي، ويحوّل التحديات القائمة إلى فرص تسهم في تحسين البيئة العمرانية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي، وتعزيز جودة الحياة.
وفي النهاية، فإن الإدارة الحضرية الناجحة هي التي لا تكتفي بمعالجة المشكلة، وإنما تبحث عن تحويلها إلى فرصة تحقق قيمة مضافة للمدينة وسكانها، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وطموحاتها نحو مدن أكثر استدامة وجودة للحياة.
دامت مدننا سالمة، ودامت المملكة آمنة مزدهرة، وكل عام والوطن بخير.